الجمعة، 1 فبراير 2008

المجتمع العربي : التقليد و التحديث

المجتمع العربي : التقليد و التحديث

لا يوجد سياق في الوقت الحاضر أثيرت فيه فكرة الصفوة باستمرار أكثر من سياق تناول وتعاطي إشكاليات وتطوير الوطن العربي . فقد لا يثير ذلك الدهشة فقد رأينا أن هناك ارتباطا عميقاً بين التغيرات التي كانت قد طرأت على الوطن العربي وبين نشأة الصفوات العربية و انهيارها, ويبدو أن كل مرحلة من تمرحل التغيير يستلزم وجود صفوته الخاصة به التي تبشر به وتعمل على تشكيل وتوجيه السلوك الجماعي بفاعليه و السيطرة على الأحداث ومراقبتها , غير أن الواقع العربي الراهن يكشف عن غياب حقيقي لمثل تلك الصفوة فيبدو المشهد العام بتداخل نماذج هلامية من صفوة محلية مع تنامي وتعاظم النموذج المركزي الوافد المتمدد بفعل الأطاريح العولمية , تداخلاً يعطي للخطاب الوافد مشروعية في المشاركة في تشكيل وتفعيل الذهنية العربية لصالحه ,بل يمكن لهذا الخطاب أن يستدرج الصفوة العربية للاقتتال و المحاربة في جانب منها, خصوصاً من قبل أولئك المهتمين بالخصوصية العربية والدفاع عنها , و الاقتتال قد يكون مباشرة مع الوافد وقد يكون عبر المتغربين من الصفوة العربية نفسها. غير أن الدور المركزي و الرئيسي للصفوة في مراحل التحول و التغيير من القديم إلى الحداثة ومن التقليد إلى الابتكار و الإضافة لا ينبثق من تموقعه الدفاعي من خندق الخصوصية , بل نرى أن الدور الرئيسي و المركزي يكمن في نقده للوضع المتردي السائد وفرزه وتكوين الأسس و الثوابت الموضوعية من خلال الخصوصية العربية و المثال المحتذى وتأسيس رؤيا كليانية عربية تتواءم مع الطموح الجمعي والدفاع عنها أيضاً وضع خطاب يمكنه أن يقيم سجالاً مع كل الأطاريح الجديدة , بهذه الرؤيا وباستكشاف سريع لواقع النخب والصفوات العربية يمكن لنا الجزم بعدم وجود تلك النخبة أو الصفوة المؤهلة تأهيلاً كاملاً و أن كان هناك مشاريع فكرية تحاول الإطلالة و مزاحمة الوافد ذو الخطاب المجلجل , غير أنها ( تلك المشاريع ) لا تجد صفوتها ونخبتها التي تتبناها وتحاول نشرها أفقياً , أن واقع ( الأنتليجنسية ) العربية غارق لشحمة أذنية في مكابدة اليومي الذاتي , صارف نظره عن تماهيه في الشأن المستقبلي المشاريعي الكلياني نتيجة لحالة من ( الكومة) أو الغيبوبة التي ترتبت عن جملة الإحباطات و الانتكاسات المتلاحقة التي سرطنت الواقع العربي.

لكن (جورج لوكاكش) في كتابه ( تحطيم العقل ) يعترف بأن المسئول عن وصول (مسوليني و الفاشية ) في إيطاليا للسلطة هو غيبة النخبة والصفوة الإيطالية و أن وصول ( هتلر النازي ) في ألمانيا للسلطة هو ضعف الانتليجنسيا الألمانية و أن هذا الغياب وذلك الضعف جر على العالم حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 30 مليون قتيل , لكن (أيضاً ) د. نديم البيتار المفكر القومي يؤكد عبر أكثر من دراسة على الدور الفعال و الرئيسي للأنتليجنسيا العربية في حالات التردي العام و أيضاً دورها الحاسم في إيقاف الحركة التناقصية في العمل العربي نحو التحديث ومن ثمة فاعليتها في رسم وتحديد مسارات الحركة التذايدية باتجاه التحديث وتعطي أطروحته الأدلة و البراهين عبر استقراء للنماذج التاريخية في حركة الإنتليجنسيا وكيف أن هذه الصفوة لها القدرة على تحديد المثال وفرز الواقع وتوصيفه النقدي وقدرتها على خلق واقع جديد لا يتطابق كلياً مع المثال لكنه يقترب منه لأن أي تطابق غير موجود في أي تجربة إنسانية , لهذا عمل الصفوات يكمن في قدرتها على إلغاء النظام القديم من ناحية وعلى دفع المجتمع إلى تجاوز ذاته في صعيد تاريخي جديد من ناحية أخرى هذه هي الحقيقة العلمية الأساسية الأولى التي يجب أن نخلص إليها .

المثال : يعني فيما يعني تصوراً نموذجيا عاماً يرسم الحدود و المقاييس التي يقارن معها الواقع الموضوعي كي يمكن تفسير العناصر والقوى المهمة التي يتشكل منها و التحولات التي يتعرض لها أو يفرزها وكذلك الاتجاه المستقبلي الذي يكشف أو يمكن أن يكشف عنه , وجود مثال كهذا يساعدنا في الحكم على وضعنا وعلى رؤية مقاصدنا عبر هذا الوضع وعلى حماية المنجزات التي نكون قد حققناها ضد التجاوزات و الانحرافات والقوى المضادة التي يكشف عنها وعلى توسيع نطاق هذه الإنجازات وترسيخها وتحويلها إلى جزء من التاريخ الذي يصنع نفسه باستمرار , لهذا كان المثال يجد مقياس نجاحه في الفاعلية التاريخية التي تمارسها الصفوات و النخب و الانتليجنسيا . أعتقد أن مثل هذا الدور لا نجد له صدى في المشهد العربي العام و أعتقد أن الوضع المتردي يدلل بما لا يدع مجال للشك على غياب الصفوات العربية المهمومة بتغيير الواقع العربي نحو التحديث , و السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح علينا جميعاً : هل يمكن أن يترك أساتذة الجامعات و المفكرون و الكتاب والشريحة العريضة من المثقفين والمتعلمين أصحاب المهن العلمية دورهم الفعال والرئيسي وأيضا الوسيط ؟! هل يمكن لهؤلاء اللذين نطلق عليهم النخوة أو الصفوة أو الانتليجنسيا أن تترك أوضاع وطنهم عرضة لنهش الوافد و أستغواله وتغلغله في صنوف الحياة العربية ؟ ! وهل تترك هذه الصفوات دورها التقليدي الذي جبلت عليه بوصفها الشريحة المؤهلة له و المناط عليها مهمة التحديث المستمر , هل تترك الأمر جملة وتفصيلاً لأنصاف المثقفين أو المتثاقفين لتحمل عبئ هذه المهمة الضخمة التي لا يمكن إنجازها كما يجب إلا بهم ؟! واقع الحال فيما ينتجه المجتمع من فنون و إبداع , من علوم وتقنيات , من اقتصاد وسياسة يؤكد على غياب فنون عربية أصيلة مبدعة ولا توجد إنجازات علمية حقيقية سوءا على صعيد مؤسساتنا العلمية البحثية أو حتى في وجود مناهج علمية في التفكير الجمعي وكل ما ننتجه من اقتصاد أو سياسة ترديد لأصداء قديمة أو استجلاب لنماذج مسخ من الوافد , ويتعايش القديم مع الجديد الوافد في تناقض رهيب يصيبنا بحالات من التوتر العام وعدم القدرة على تجاوز اللحظة الراهنة , ولا يجعلنا قادرين على استدراك هذا الواقع وتناقضاته . لا أحد ينكر هبوط وتدني الأغنية و المسرح العربية و الفنون بجملتها مثلاً بل وتغريبها بشكل مسخ ولا أحد ينكر هبوط مستوى الأداء في مؤسساتنا التعليمية بشقيها الحكومي الفقير أو الخاص اللاهث وراء المكسب وإهماله التحصيل العلمي الحقيقي , ولم تأتي كل محاولات الرأس مالية في صميم بناء أسس اقتصادية سليمة لانطلاقة تحديثية في بينة الاقتصاديات العربية و الوضع السياسي ليس خافياً على أحد مدى تسلطه وجبروته . لقد بات من الواضح الآن كيف لغياب الدور البالغ الخطورة للصفوات العربية أن تمادى التردي و لعب بلا رقيب في كل ما كان قد أنجز وحول حياتنا إلى استهلاك مفرط لكل ما هو وافد . هل ستفيق نخبنا و صفواتنا من حالة الغيبوبة هذه ؟ وهل تتماثل للشفاء كي ترتاد دورها ؟ هل ستكون بحجم مسؤولياتها ؟ أم ستترك للأجيال القادمة القيام بمهماتها وواجباته ؟

محمد الأمين العباسي
meabasy2000@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: