الجمعة، 1 فبراير 2008

السينما العربية بين الحضور والفعل

السينما العربية بين الحضور والفعل

بادىء ذى بدء ، لاشك ان المنتوج التخيلى لامة ما ، يشكل مكو نا جوهريا من مكونات ثقافة تلك الامة ، وان الرمز والصورة والخيال تعطى لثقافة تلك الامة ثراءها وتنوعها وعمقها الحضارى وتبليغ رسالتها ،وعلى اعتبار ان السينما جزء من الثقافة العالمية المعاصرة ، فان كل امة تحاول ان توظف مخزونها الثقافى ,وتعبر عن مواقفها من خلال الادوات السينمائية و تصور بعضا من عناصر هويتها واختلافاتها بواسطة الصورة والصوت ........،غير ان السينما بوصفها وسيلة مركبة من وسائل التعبير يخضع انتاجها وتسويقها وتحركها وانتقال صورها الى قوانين السوق التجارى العالمى ،اذ بقدر ماهى ثقافة وفن وجمال فهى كذلك تجارة وصناعة يتحكم فىمصيرها الربح الراسمالى واسلوب التقسيم السينمائى على الصعيد العالمى ،ومن المعلوم ان السينما عنصر من عناصر الحداثة،حيث اخترقت المخيلة العربية من خلال عملية (قيصرية) واستقرت فى بعض مناطق الجغرافيا العربية بشكل لامتكافىء،بحيث نجد ان بعض الاقطار العربية انتجت افلاما مطولة ابتدا من العشرينات من القرن الماضى ، فى حين ان هناك اقطار عربية اخرى لم تنتج ولو فيلما مطولا واحدا لحد الان ...!!!! ومن هنا يتعين الاحتراس من التعميم الذى يمكن ان يتضمنة صيغة السينما العربية ،لان المتتبع لحركة الابداع السينمائى فى الوطن العربى لا يجد الا السينما المصرية باعتبارها تملك بنية انتاجية وصناعية ولها قدرة على التوزيع والاستغلال والتداول والى جانب السينما المصرية توجد بعض الأفلام العربية لبعض الاقطار العربية، غير انها لم ترتقى في انتاجها الى المستوى الذي حققته السينما المصرية- وان كان في بعض الافلام حققت مستوى رفيع ومتسامق مع السينما العالمية – ويبدو ان هذا الواقع اللا متكافئ لا يسعف على بلورة اطر سينمائية تعمل على توحيد اطراف الوطن العربي من خلال الصورة والصوت وانتاج اعمال ابداعية تصب في اتجاه التحرك القومي للثقافة العربية.
على اى حال: ليس المقام مقام ازمة السينما العربية من زاوية الانتاج والانتشار ولكن الحديث متعلق بالحدث السينمائي الراهن والمشهد العام لتلك المواضيع التى تتناولها جل الافلام العربية سواء كانت مصرية على وجه التحديد او من اقطار عربية اخرى بشكل عام....، فان المتتبع لمواضيع الأفلام المنتجة عربياً ومنذ سنوات سيكتشف مدى نزوع كل المنتجين وصناع السينما الى انتاج الأفلام الكوميدية بشكل مفتعل وساذج بحيث انها لا تخرج عن كونها افلام من اجل الضحك حتى وان كانت تنتذع الضحكات المتراخية الكسلى انتزاعا ، ضحك ساذج من اجل الضحك.....، بينما الافلام الغربية والأمريكية لا تترك مجالاً ولا حقلا فكرياً ولا تلك المواضيع المثارة في اطار المعاش واليومى الا وتعبر عن رؤيتها عنه بالصورة والصوت ولغة السينما وتتجه بانتاجها الضخم بشكل وظيفي الى خدمة المحتوى الثقافي لصناعها والقائمين عليها وبوعى تام بما هو مطروح في الأجندات السياسية.......، والسينما من بين الوسائط التى استعملها الغرب ومنذ بدايتها لاختراق العقل والمخيلة العربيين، لأنها لها قدرة هائلة على التأثير والجذب والتسرب الى مناطق اللاوعى وتوجيه الانسان، لاسيما ذلك الانسان الذي لا يستطيع خلق المسافة النقدية الضرورية بينه وبين الفيلم وبالتالى خلخلة انتمائه والتزامه او على الاقل تحيديه وتحويله الى كائن لا مكترث خصوصاً في غيبة تامة وربما مقصودة من القائمين على السينما العربية والتى قد تشكل منافساً قوياً في حال اذا اهتمت بالموضوع والجودة في منتوجها السينمائي لتلك السينما القادمة من الغرب.
ومناسبة هذا الكلام يأتي بعد استعراض للانتاج السينمائي العربي هذا العام الذي جاء هزيلا ومتواضعا، فلم يتجاوز العشرين فلما على مستوى الوطن العربي بينما كان قد وصل الى ما يقارب مائه فلما كل عام منذ منتصف السبعينات حتى نهاية الثمنيات ويأتى انتاج هذا العام الهزيل المتواضع متدنى في مستواه وركيك وملقلق شكلا ومضمونا مركزا على الكوميديا التى مازالت مكتسحة ومسيطرة على عرش السينما العربية وباستثناء فيلم ليلة سقوط بغداد وبغض النظر عن تقيمنا له كانت كل الأفلام ضحكات متهافته هبلة وعبيطة ،/على الرغم من ان الواقع العربي المعاش سواء كان واقعاً سياسيا او اجتماعياً معبأ بمواضيع ومخزون ضخم مؤهل للتناول السينمائي والتطرق اليه بجدية واجتهاد ...،من هنا يمكن لى القول بانة اذا كانت الارض الفلسطينية واللبنانية والعراقية محتلة بالسلاح والقوة ،فان الساحة السينمائية العربية محتلة كلها من المحيط الى الخليج ، فالعين العربية لا تشاهد الا ما يضبب رؤيتها ويغربها عن واقعها والمخيلة العربية لا تستمد صورها الا من مراجع لاعلاقة لها بالقضايا العربية او الاحاسيس العربية ، وعلى الرغم من ان هناك عدة محاولات جادة من البعض الا انها لا تكفى لمىء هذا الفراغ الهائل والمفتوح لكل القادم من الغرب ،فالسينما العربية الان تعيش ازمة مواضيع وازمة انتاج وازمة توزيع ،وللخروج من هذا الفخ الذى فرض عليها فى ظرف سابق ، يجب اولا ان يحدد مسار للسينما من خلال المواضيع الجادة الهادفة التى تحترم الذوق والعقل والاحساس للمشاهد العربى الذى تتوجة الية مباشرة وهى السينما المعنية بة بالدرجة الاولى وكفانا ضحكات ساذجة وعبيطة تشوة الفرجة والاحساس.

محمد الامين العباسى

ليست هناك تعليقات: