رمضان : نستقبله بفرح ونودعه بعيد .
ليس هناك شعب من شعوب الأمة الإسلامية , إلا وله طقوس خاصة به في استقبال الشهر المبارك , شهر الفرح الإلهي الكبير شهر رمضان , وتتفاوت تلك الطقوس من شعب إلى آخر , غير أنها جميعاً تتصف باستقبال شهر رمضان بفرح وسعادة كبيرة , أيضاً لكل فرد من أفراد أمتنا له طقسه الخاص في استقبال هذا الشهر الفضيل فما تعود عليه الرجال ليس كما يفعله الأولاد الصغار وما تفعله المرأة ليس كما تفعله البنات الصغيرات , غير أن الكل يشترك في كرنفال من البهجة والفرح في استقبال رمضان , هذه إحدى تجليات الأمة الإسلامية التي كثيراً ما تحول ممارساتها للعبادات الإسلامية إلى فرح وبهجة وسعادة وهي تؤديها , وهي في قمة السعادة الإلهية التي تغمر القلوب بخشوع و أمتثال وبهجة , فالفرح وجد له طريقاً إلى كل العبادات تقريباً أنظر إلى الحج و العادات التي تكونت في توديع الحجاج وكيف تحول إلى ما يشبه العرس بحيث أصبح الحاج أو المعتمر أو الحاجة أو المعتمرة عروس أو عريس يلتف حوله الأهل و الأقارب و الأحباب بالتهاني و المباركه و الدعاء سواء في توديعه وهو ذاهب إلى الأراضي المقدسة أو وهو قادم بعد أداء الفريضة أيضاً لنرى صلاة الجماعة و التطهر وختم كل صلاة بالأدعية و الذكر و المصافحة و الدعاء بطلب القبول و الرضى الرباني أنه الفرح و الحب الذي وصفه أحد شيوخ الصوفية و الزهاد "محي الدين بن عربي " بقوله ( شربنا الحب كأساً بعد كأس فما نفذ الشراب وما ارتوينا ). الفرح والبهجة امتدتا لتجدا لهما متسع ومراداً في تلاوة القرآن الكريم خصوصاً في الشهر المبارك حيث الفيض النوراني السمح وتلاوة ترتيل وتجويد القرآن والغنات في طرق القراءات ما هي إلا نوع من أنواع الفرح المصبوغ بالفن والاستحسان أيضا فن التواشيح والأدعية و المديح الرباني العذب سبحات في الفضاء الأنور والتماس مع التوهج الروحاني الجميل ووصل الفرح إلى قراءة وسرد السيرة النبوية الشريفة العطرة وقصائد مديح رسول الله عليه الصلاة و السلام , كلها تؤدى بتجويد وابتهال وامتثال للمولى عز وجل يغمرها بهجة المؤدي وفرح المتلقي فيتوحد المغني مع مفرداته و آدائة ويذوب السامع في المعنى والتلقي ويشنف الأذن بأصوات عزبة تردد كلمات السماء بحلو اللحن وجمال المعنى ويتحول الطقس إلى فرح كبير يلغي فيه كل ما يحيط ليلم بكل ما هو فوقي و سماوي , هذه إحدى عبقرية المجتمع الإسلامي الذي لا ينفك من إضافة الفرح لكل من عقائده وعطائه , ورمضان إحدى صور التفنن الاجتماعي لإضافة الفرح الذي يجد له المناسبة وهي خير مناسبة و استقبالنا لرمضان يبدأ بالإعداد له من زينة وحركة اجتماعية غير عادية تتمثل في إرسال التهاني والدعاء وطلب العفو و العافية والصحة و البركة والسلامة , تتمثل أيضاً في إقامة الشعائر كلها من صلاة وقراءة القرآن الكريم و الزكاة و التصدق عبر موائد الرحمن التي يتبارى فيها أهل الخير جميعاً فيما يشبه التضامن الاجتماعي و الرحمة و التواد وكل يوم من أيام الشهر الكريم , شهر القرآن وليلة القدر , عرس بل كل ساعة من ساعاته هي لحظة زفاف يزف فيها العمل الصالح ليصعد إلى العليين وكل صائم هو عريس وكل قارئ للقرآن وكل داعي متعبد هو عريس أنظر إلى بن الفارض كيف يصف الحب الآلهي وصفاء الروح و المحبة حيث قال (هو الحب فأسلم بالحشا ما الهوى سهل فما أختاره مضني به وله عقل) و المضني هنا مجاز لما هو فيه من شغفة ولهفة ووجد ورضى بهذه المحبة التي يتماهى معها في فيوض من السبحات و التنويعات الروحانية كلهفة المحب وشوقه وسعادته وبهجته , وهناك حدثان من أهم الأحداث التي نمر بها ونحن في حضرة الشهر الفضيل الحدث الأول رؤية هلال الشهر و الحدث الثاني في الليلة المباركة ليلة سبعة وعشرون ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر حيث نزل فيها خير الكلام ومجمله القرآن الكريم , ليلة تفتح فيها أبواب السماء على مصراعيها لكل داعي متضرع متقرب لله عز وجل , ورؤية الهلال في مطلع كل شهر من شهور السنة الهجرية له احتفالية غير أن رؤية هلال شهر رمضان أخذت لها تفعيلاً كرنفالياً أكبر و أعظم من غيرها من الشهور فكانت مناسبة خاصة تمتاز وتتفرد بفرحها وبهجتها وطقسها الخاص , في السابق و قبل الإذاعات و المرئيات كان يشارك كل تجمع في رؤية الهلال فلا تخلو مدينة ولا قرية ولا نجع في البادية من مظاهر رؤية الهلال ويحكى في رؤية هلال الشهر الفضيل حكاية ونوادر وقصص طريفة منها ما هو اجتماعي ومنها ما هو سياسي , وكلها تؤكد على مدى ارتباط الوجدان الشعبي بهذا الشهر الكريم , و إذا كانت البيوت تتهيأ لاستقبال هذا الفرح الديني فإن الشوارع و الميادين العامة و المحلات التجارية و المقاهي لا تقل استعدادا عن البيوت بحيث أنك تلاحظ من المشاهدة الأولى أنك في حضرة الشهر فالعين لا تخطئ ملامح بهجته وتدفق فرح الناس به إن مصدر هذا السعادة وهذا الفرح يكمن في الإرث الوجداني الجمعي لأمتنا الإسلامية التي وعت بعقل تام ووجدان سليم ما لهذا الشهر الفضيل من مكانة عند المولى عز وجل وما فيه من مساحات من الرحمة و المغفرة و العتق من النار وهو دائماً عزيز وغالي لا يأتي إلا مرة واحدة كل عام ضيف يهل علينا بأوسع ما في الإنسانية من معاني فعلاوة على المعاني الدينية العظيمة تتجلى الطقوس الاجتماعية وما تعود عليه الناس و أطرادهم عليه كسنن سبقهم إليها السلف فهي ذكرى لكل من عبر من الأجيال الإسلامية وهي استحضار لهم متدفق طوال الشهر للترحم عليهم و الدعاء لهم و قراءة القرآن الكريم ترحماً ليصلهم برداً وسلاماً وكذلك التصدق على أرواحهم , أن ما في هذا الشهر من تواصل بين الحاضر و المعاش لا يقل عنه تذكر وتواصل مع السلف الطاهر هذا التواصل الذي يتمدد في كل ما يمكن أن يصل إليهم , عبقرية الشرق المسلم في هذا التجلي المبهج ليس لها مثيل بين أمم الأرض جميعاً فبينما نجد أمماً تفتح الأبواب على مصراعيها تحت منطق الحرية فيتخلص أبنائها من كل وازع ديني ويشقى بغربته و اغترابه فيذوب في الوثني والشتات , بتطرف مادي أعمى وعلى الطرف الآخر نجد أمم أخرى تجلد الذات في طقوسها الدينية وتعذب النفس باستمرار لكي تصل لمعنى واحد وهو التطهر من الدنس أما شرقنا المسلم يصل إلى هذا المعنى بمعتقده الإسلامي الوسطي بالفرح و السعادة والبهجة وهو يؤدي عباداته ويزداد بالفرح و البهجة تدفقات ونفحات من البر والتقوى و التعاضد و التراحم و التواصل بين أبناء الأمة الواحدة وكأنهم بينان مرصوص يؤازر بعضه بعض, رحماء بينهم ورحماء على كل شركائهم في الحياة من بشر وكائنات آخرى , هذا الجانب المسكوت عنه دائماً والمفترى عليه من كل أولئك الذين يصورون الإسلام على أنه دين سيف وعنف وتقشف و شظف و انغلاق , بينما لو تأملوا ما فيه من إنسانية عالية تكمن في الحكمة من وراء عباداته وما فيه من طرق ومناهج و أساليب تربوية تليق بالأنسان كقيمة عالية مكرمة في نصه القرآني وفي سنن نبيه صلى الله عليه وسلم و أتباعه وخلفائه , ما احتجنا لكل هذه الاشتباكات السجاليه , وما تورطوا فيما لم يدركوه أو ربما يدركوه تماماً ولكن هناك في بئر نفوسهم ما فيه من عداوة وبغضاء لا نجد لها مبرراً ........ على إي حال نحن نكتفي بالذي نحن به ودعهم يعملون فكلاً يعمل على شاكلته وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلاً .....و أهلاً رمضان
محمد الأمين العباسي
Meabasy2000@yahoo.com
الجمعة، 1 فبراير 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق