الجمعة، 1 فبراير 2008

أحكي لي حكاية وإلا قتلتك

) أحكي لي حكاية وإلا قتلتك
ألف ليلة وليلة هذا الفضاء المترامي على طول المدى في الوجدان الشرقي بل وربما العالمي , هذه السردية المسائية أو الألفية المسائية الشهرزادية , النص الفتنة أو فتنة النص بما فيه من الغرام و العشق الملتهب , التقلب , والتغير , التساؤلات و الارتباك , التجدد و التحريك , الوعي واللا وعي , الأنماط المختلفة من السلوك و العيش الرؤيا وتشكلها , الصراعات و المكيدة ....................
هذا النص ربما كان أهم نص أخذ وضعه النهائي والكافي ليستقر في بئر الذات و أخذ كل الحظوه و السطوة ويغرينا دائماً في أن نعود إليه ..... رغم اختلاف الزائقة وتجددها المستمر وتنوع مستوياتها إلا أن ألف ليلة وجدت مكانها كعمل كلياني يترك فينا من البهجة و القداسة أكثر من ما يترك من الوهم و الخيال ورغم تمرد النص الشهرزادي على كل المنظومات الأخلاقية و اللاهوتية و الفلسفية بمعنى أنها لم تحاصر نصها بهذه النظم و أوامرها ونواهيها عندما قدمت ليالي شهرزاد حكايا التضاد في انسجام تام وفي أروع عمل فني , قدمت عالم الواقع و عالم حكايات الخيال , عالم البشر و عالم الجن و العفاريت , الحياة و الموت , الأثرياء و الفقراء السلطة و الشعب عالم الفسق والتهتك وعالم الورع والتقوى عالم العشق و الحب العذري , و عالم الشبق الفاضح , قدمت المعرفة و الإدراك في المرئي وقدمت الخيال و ما وراء الطبيعة في اللا مرئي , العقل و الروح وكان علينا طاعة الأمر , نسمع شهرزاد فنصدق ما يكذبه منطق البشر ونتجاوز جملة المتناقضات من أجل التعاطف مع الحياة ضد الموت , لندفع السيف المسلط كل ليلة على الرقاب (أحكي لي حكاية و إلا قتلتك ) نتعاطف لتكتمل الحكاية وتستمر الحياة .
لهذا ألف ليلة وليلة من النصوص السردية التي أتسمت بجملة من الخصائص ميزتها عن بقية النصوص الأخرى ( الإمتاع و المؤانثة , الكوميدية الإلهية , الأسفار الهندية أو " البانتشاتانزا" وجعلت له هذه الخصائص سلطته الخاصة القوية ومنها قدرته الدائمة على التجدد ومخاطبة المتلقي على مر العصور أنه خلود النص الذي صنعه تناوله للجوهر الإنساني في ثراء نصي فريد وتنوع وحداته السردية التي يحار الناقد في تصنيف بنيتها أو تأطيرها هذه القدرة التي عبرت الزمن لتصل ألينا ونفتتن بها كلما عدنا إليها .
كنت أسأل نفسي كلما عدت إليه , لماذا وجد نص بهذه الفتنة وهذا الجمال ؟ و أطرح سؤالي سجاليا لماذا ألف ليلة وليلة ؟ ولكي لا تتسم الإجابات بالتشابك النظري دعنا نلقي نظرة على مطلع ألف ليلة كذلك على النهايات السعيدة لنستوضح و لنتتبع من خلالهما الركائز التأسيسية التي يقوم عليه الحدث الشهرزادي العظيم : تبدأ ألف ليلة بقصة الملك شهريار و أخية الملك شاه زمان وهذه هي القصة الإطار و المروية بضمير الغائب على عكس ما يلحقها من ليالي على لسان شهرزاد " بلغني أيها الملك السعيد " وخلاصة القول أن الملك شهريار و أخية شاه زمان كانا قد صدما في زوجيهما صدمة من الصدمات الوجودية التي تزلزل الكيان الذكوري خاصة وهي خيانة زوجيهما وفي الرواية نجد أن زوجة الملك خانته مع العبد وزوجة أخيه شاه زمان خانته مع العفريت, وهي ليست خيانة تقليدية كالتي عامةًًً ما يفضل فيه العشيق على الزوج بل هنا تفضل الملكة العبد المملوك على الملك المالك و العفريت المطارد على الإنس الواقع و الحاضر , وهي ليست مجرد مساواة العبد بالملك و لا العفريت بالإنسي بل أنه أسلوب التفضيل الذي يبرز ليكرس المبرر اللائق فيما بعد لضياع شهريار وفقدانه لعقله وهو ما يؤول إلى فقدانه للأهلية وفي النص " طار عقله " حتى و أن كان رد له العفريت جزء منه إلا انه يعطي الدلالة الكافية على صعيد الحدث الرمزي فيما بعد لتجليات شهرزاد الذي يعكس أنعكاف الحاضر على الماضي ليس في إطار نظرية الإبلاغ بل ضمن المقدمات الاستدلالية التي تتمظهر جلياً في إطالة أمد الصدفة من خلال ديمومة ممارسة القتل في ثنائية طردية ( فض البكارة وجز الرأس ) وفقدان العقل دلالة على أن قتل الأنثى ليس عمل عقلياً أو أمر طبيعي حتى ولو كان جزاء لخيانة .
الإجراء الشهرياري المستمر الذي لخص التشوية الذكوري لجدلية العلاقة ذكر/ أنثى مما أدى إلى ظهور التجلي الشهرزادي في شكل استنباط تقديراً للضمير الإنساني عامة عبر الشعور بالضمير الفردي خاصة وهو ما يؤكده أختيار شهرزاد طواعية للقيام بدور " المخلص " فتقول شهرزاد (يا أبتي زوجني هذا الملك , فإما أن أعيش و إما أن أكون فداء لبنات المسلمين وسببا لخلاصهن من بين يديه وقال لها بالله عليك لا تخاطري بنفسك أبدا , فقالت له لابد من ذلك ) وهذا الدور المخلص يحوم دائماً من ثنايا الخطاب السردي الرمزي طوال ألف ليلة حتى الليلة البيضاء ( الواحد بعد الألف ) ويعطى دلالته الغائية ووظائفه المزدوجة في أن يوقف السيف المسلط على الرقاب ويترك المجال فسيحاً للخطاب الرمزي في جوف الليل " الميتة الصغرى " في هذا المناخ تتلاحم الحياة بالنص الشهرزادي ويتلاحم النص بالغاية النهائية وهي قتل الوحش في شهريار حتى تستقيم الحياة إذن شهريار الوحش هو الغاية الإنسانية النهائية للنص الشهرزادي عبر ألف ليلة طوال وهي ليست مجرد رغبة بل حاجة ملحة وعاجلة وكلاً من شهريار و الملك شاه زمان و العبد و العفريت وخيانة الزوجتين ما هي إلا المناسبة التي تليق بإبراز دور المخلص فإذا كان النهار رمز الحياة فإن الليل الميتة الصغرى مترع لحكايات شهرزاد المصباح الذي يضيئ الظلامية التي تملأ جوف شهرزاد الذكر الوحش وعلى شهرزاد أن تسكت كلما أدركها الصباح و على شهريار الإنتظار حتى يهبط الليل ليجن جنون الوحش في داخله في تعاقب مستمر ما بين الليل و النهار وهي الخلاصة التي يمكن أن ندرجها في إطار الحياة ضد الموت و الخطر الواقع في الحياة و ترويض الوحش الذكوري وهي الرسالة المتقدمة جدا لفشل الحضارة الذكورية , و الخلاص يعني التغيير من طغيان الذكر السلطان ولا يمكن أن يكون إلا بتغيير بنيات الذهنية عبر الفن السردي المتوالد لأن نهاية القصة تعني اكتمال الغاية من الخلاص شيء آخر يؤكده وهو ما قالته شهرزاد في الليلة البيضاء (إني جاريتك ولي ألف ليلة و أنا أحدثك أحاديث السابقين ومواعظ المتقدمين ) وما هي إلا آليات ترويض شهريار ولو أن شهرزاد أعلنتها في السابق قبل أن تتأكد من حدوث التغيير الذي يعطيها الأمان الكافي لقتلها قبل غيرها .
إذن يمكن لنا أن نجزم على أن ألف ليلة وليلة كانت واحدة من أهم النصوص المبكرة التي حاولت أن تشارك في رسم المعالجات الفنية للعلاقات الظالمة التي نتجت عن التشوه اللا إنساني , ألف ليلة ليست مجرد عمل طرفي فانتازي يترجم الخلاعة و التهتك اللا أخلاقي و القيمي الحادث في عصرنا بل هي أستنباط واضح للضمير الجمعي الرافض لجملة العلاقات الظالمة المستبدة , هكذا نفهم كيف عالج الشرق قديماً الشر بالفن و الإبداع, فهل يعالج الشرق الحالي انحرافاته عن المقاصد بالفن والإبداع فرديا كان أو جمعياً ... ؟!!
محمد الأمين العباسي
e-mail : meabasy2000@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: