- ديموقراطية ابهة الفساد
يبدو ان مقولة المفكر والفيلسوف الاسلامى العربى ابن رشد منذ ما يزيد عن الف عام اصبحت احدى المقولات الكلية التى تصيب فى الهدف تماما خصوصا فى ما يتعلق بالحياة العربية , يقول ابن رشد ان هناك جوانب يغض الطرف عنها العقل العربى من اجل غاية وهدف وقصدية عبر عنها ( بالمسكوت عنة ) وما اكثر الجوانب المسكوت عنها فى حياتنا العربية خصوصا فيما يحدث من تموجات فكرية سياسية كانت او اجتماعية فالعقل العربى ما زال عقل ازمات لا ينشط الا وقت الازمة ولا يعمل بجد واجتهاد الاحينما يستشعر الخطر الداهم والنهايات الدراماتيكية وبعيدا عن اللحظات الخطرة يظل العقل العربى محضنة للكسل والخمول والشلل رافعا شعار ( كفانا عقل وعقلانية وجهد واجتهاد ) وها هو ينشط ويتململ فى حمة النداءات والمطالب بضرورة التجديد والتغيير فى نمط الحياة العربية جملة وتفصيلا خصوصا حياتنا السياسية والاجتماعية وترتفع معة فجأة جوقة من الاصوات المجلجلة تطالب بالاسراع بالتجديد والتغيير وتلح بالسرعة فيما يجب ان نتانى فية ونحكم الاحاطة بة خصوصا اذ تتعلق المطالب بالثوابت والاسس التى ستكون التاسيس والمنطلق لمشروع الغد والمستقبل العربى , وبعيدا عن المزايدات والاتجار المجانى بقضايا الامة العربية نورد جملة من الملاحظات على الجوانب المسكوت عنها فى النداءالعربى الراهن بالتجديد نحو الديموقراطية فى نظمنا السياسية الملاحظة الاولى فيما يخص مطلب الديموقراطية : الديموقراطية فى مصدرها الاول ومعناها الاصلى تعنى حكم العامة او حكم الشعب سواء كانت ديموقراطية مباشرة كما يحدث فى نظام ( الكنتونات) السويسرية او ما يسمى بالمجالس المحلية لكل مقاطعة او النظام الديموقراطى النيابى او التمثيلى نظام المجالس النيابية او البرلمانية وكل هذة الانظمة تدخل فى اطار نظام فصل السلطات السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية غير ان الجانب الاهم والرئيسى والذى يبرز دائما فى كل تلك الانظمة الديموقراطية او اداة الحكم الديموقراطية هو الشعب او العامة المناط بها ولها التحقق الديموقراطى , ففى كل الاطر والتشكيلات والانساق الديموقراطية يكون الشعب او العامة ( كل الناس) هم الوسط والبيئة والارض التى فيها ستنشأ وتنبث الديموقراطية المستهدفة, فالديموقراطية فى نظرنا لا يمكن ان تتحقق الا فى بيئة ديموقراطية حقة وفى وسط اجتماعى ديموقراطى , لان الديموقراطية كفكرة تحتاج لمن يعتنقها ويتبناها وينشئها ويحميها والشعب الديموقراطى هو صاحب المصلحة فى ذلك هو الشعب الذى يحمى ديموقراطيتة السياسية وهو الشعب الذى يمارس ديموقراطيتة ابتداءا من منظومة العلائق الاجتماعية انتهاءا بصناديق الاقتراع واختيار ساستة وقيادتة وادارتة مرورا بكل التحركات والسلوك اليومى على مستوى الافراد والجماعات ورجال الادارة وهو بذلك يصبح صاحب الحق فى منح او سحب الثقة من كل الحكومات والادارات المتعاقبة على اداة حكمة وهو فى نفس الوقت الجيش الاحتياطى الذى يدافع عن الديموقراطية لانها تشكل لة محضنة لحريتة ولرقابتة الغليظة على كل الاجهزة والمؤسسات المنوط لها الادارة السياسية والاقتصادية اذن من شروط اقامة حياة ديموقراطية ان يكون الشعب حاضرا حضورا فاعلا لا ان يدعى الى الاقتراع فيما يشبة الشاهد الذى لم يشاهد شيئا .
الملاحظة الثانية : ان الديموقراطية لا تعنى حرية ابداء الراى فقط ان مجرد حرية ابداء الراى قد تكفى فيما يتعلق بالقضايا التى تكون خارج الخصوصية المحلية كالقضايا العالمية او القضايا التى تخص البشرية ككل اما فيما يخص الحياة المحلية داخل القطر الواحد فحرية ابداء الراى لا تكفى ولا تصبح قادرة على تسيير القاطرة الديموقراطية وحدها انما تتحول حرية ابداء الراى الى ممارسة الراى وتمكين الاغلبية من تنفيذ رؤاها وتحقيق طموحها , لان الاشكال هنا يتعلق بالحياة وسلوك الكيان القطرى اليومى ويمس كل فرد فية, بل ينغمس فى خصوصياتنا جميعا , واذا ما نظرنا الى مجتمعاتنا العربية من زاوية فهمها وادراكها لمطلب الديموقراطية ومدى ايمانها وتعلقها بها بامكاننا الجزم كل الجزم بان مطلب الديموقراطية لا يختلف علية اثنان من ابناء امتنا العربية لكن المفارقة ان الايمان بالديموقرطية شيئا وممارستها فى الحياة اليومية شيئا اخر خصوصا الحياة الاجتماعية وكلنا يدرك مدى تسيد العلائق الاجتماعية الظالمة داخل مجتمعاتنا العربية وانها اخطابوط سرمدى سيطر على جميع تصرفاتنا فمن الفوارق الاقتصادية الواسعة التى تلقى بظلالها على العلائق الاجتماعية فى التصرفات بين الشرائح الاكثر وفرة وبين الشرائح الاقل التى تلغى دورها وتهمشها فى فعلها الاجتماعى والسياسى ومن الفوارق بين من تمتعوا بقسط علمى وثقافى وبين من ما زال تحت وطئة الامية الكاتبية والامية الثقافية وبين مراكز القوى الادارية والمهمشون مرورا بالميز الذكورى البغيض فى اطار جدلية رجل/ امراة بامكاننا ان نميز بين تلك النتائج المحصلة وبين اسبابها المربوطة بها برباط عضوى لا يمكن فصل بعضهما عن بعض ( الاسباب والمحصلات) بامكاننا ان نعزو الى تلك الاسباب الجوهرية الكامنة فى الذهنية الجماعية والعقلية الكلية بمجتمعنا العربى والتى فية يتعايش اشاكل غير منطقية جملتا و تفصيلا من الا فكار المتناقضة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار من الوصوليين الى رواد ما بعد الحداثة من الغنى الفاحش الى الفكر المدقع من دعاة الحرية المطلقة الى دعاة الحزم والتشديد واقامة الحدود الشرعية , الذهنية الجماعية عندنا لم تستقر بعد على نسق واحد يرتضية الجميع ويتعايش معة ويعتبرة المرجعية والفيصل والحكم بينة وبين الاخر شريكة فى الحياة داخل الكيان الواحد دون تمييز بين شخص واخر جماعة او جماعة اخرى الملاحظة الثالثة : ان الوعى الجمعى الذى يؤهل المجتمع لممارسة فعلة الديموقراطى وبطريقة سلسة فيها من السلوك الحضارى الانسانى ما يجعل تداول السلطة سلميا فى اطار التكامل لا فى اطار التفاضل يكاد ينعدم تماما فى كل مجتمعاتنا العربية وبعيدا عن هذا الوعى وبعيدا عن تحمل المجتمع مسئوليتة فى تفعيل العمل الديموقراطى السليم ستظل النداءات والمطالب الصاخبة الان بوجوب اقامة الديموقراطية مجرد نداء نخبوى عاجى او سلطوى معزول عن المجتمع صاحب المصلحة الحقيقية وسوف تستمر حالة التناقض والتردى وسوف نشاهد فى كل مرة سيوف البلطجية ترهب منافسين الانتخابات بعضهم لبعض وشراء الاصوات وحملات المداهمة والاعتقلات تكبح حركة التغيير الفعلية وستنتهى نداءاتنا ومطالبنها كغيرها الى ذ مة التاريخ وتبقى منها صور الاحتفلات المزيفة وبهرجة الفساد وسيظل العقل العربى غائبا والوعى الديموقراطى فى المجتمع مسكوت عنة المطلوب مزيد من نشر الوعى الساسى للمجتمع مزيد من فتح النوافذ العقلية التى منها سيطل التجديد ويحدث التغيير ويجب ان يعى الجميع ان الابداع الحقيقى ليس الابداع الفردى بل الابداع الجمعى ابداع كل المجتمع وان الديموقراطية ايضا ديموقراطية كل المجتمع وليست ديموقراطية النخبة او الافراد واذا تجاهلنا ذلك بشكل قصرى او غض الطرف عنة سيصبح سببا لمزيد من الفشل مزيد من الاحباط وسيطفىء ما قد توهج من لحظات عاقلة فى زمن لا يرحم غير العاقلين .
محمد الامين العباسى
Email /meabasy2000 @yahoo.com
الجمعة، 1 فبراير 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق