1- الظاهرات السائدة في الأسرة العربية
2- الأسرة العربية .. إلى أين ؟!
3- الأسرة العربية و أختلاف القاصد .
4- الأسرة العربية تطور أم تفكك ؟!
1- مقدمات ومحددات
الواقع أن المهتم أو الدارس لأوضاع الحياة الاجتماعية العربية و الأسرة العربية بشكل خاص , يجد أن المعالجات سواء كانت تحريضية أو نقدية تتحدث عن تمرحل الأسرة العربية , منطلقة من مقولات كلية نهائية سواء كان مصدرها ديني أو عرفي , فيما يشبه (الأحكام القضائية النهائية ) لا تقبل الطعن أو الاستئناف: وهذه المعالجات الكتابية بهذا الشكل تستقوي بالمقولات الكلية خصوصاً الدينية منها لتظهر خطأ مظاهر التطور اللاحق في الأسرة العربية , فتحكم على التطور بالخسران , وأن الآراء المنادية به باطل , و أنتهي بها الأمر إلى إصدار حكماً نهائياً على النتائج "و الظاهرات " كان من أبرز سماته أنه معياري أخلاقي .
وليس هذا الأمر جديداً علينا إذ كانت هناك دائماً فئة من الناس بل ومن الكتاب و المفكرين كثيراً ما كانوا يتعمدون الخلط بين ما هو ثابت مقدس و ما هو قابل للتحول و التغيير , فلا جدال أن المعتقدات المتعلقة بالدين والعقائد هي مبادئ تتمتع بصفة الثبات والديمومة بل والقداسة. أما النظم التي تحكم علاقات الناس فيما بينهم في ظلال التشريعات ليس لها ثبات العقائد نفسها ولا قدسيتها لأنها تنظيمات ومواقف دائماً ما تأتي حسب الظروف السائدة اقتصاديا أو سياسياً و اجتماعيا . وعند كل ذي فطنة هذه الأنساق ما هي إلا متغيرات لا ثابت فيها غير المنهج أو المضمون و أن تغيرت الصياغات حسب كل عصر وزمن كل جيل , فما كان عيب بالأمس قد يصبح لا عيب فيه اليوم وقد يصبح ما كان مباح بالأمس ممنوع اليوم , أنها مقتضيات الحياة وكلها تستند إلى حيثيات لا تتصف بالثبات و أن كانت تتصف بالتطور و التبدل ولم تخرج قضايا الأسرة العربية عن هذا المنطق السائد وواجهت التغيرات التي حدثت فيها بالإعلان عن التفسخ العميق التي أصابها وعن التخوف من الانهيار التام الشامل لمؤسسة الأسرة و الدعوى إلى مقاومة الأشكال كافة و الظاهرات الجديدة ومن من ما لا شك فيه أن المجتمع العربي والأسرة العربية تحديدا تواجه أبشع حملة تفكيك معبأة بحقد دفين و متسلحة برؤية تستند إلى علم النفس و التاريخ و المنظور السياسي المعادي , حملة يقودها الآخر أيا كان هذا الآخر فإن غايته ومراده هو ضرب التماسك وفصل عرى هذا المجتمع , ببداوته وريفه وحضره وبكل أقاليمه و أقطاره و أيا ما كان أمر المعترضين في الداخل أو أمر الحملة الشرسة القادمة عبر الفضاء و البر و البحر فإننا مطالبين بتقديم كشف حساب لما حدث من ظاهرات وتطور في بنى العلائق الاجتماعية , وإلى أي مدى حدث التشوه و الاختلاف عن المقاصد مطالبين برصد وتتبع الأسباب وكذا توصيف كامل لكل النتائج وحري بنا جميعاً أفرادا وعلماء اجتماع و أنثروبولوجيين وعلماء النفس الاجتماعيين العرب بذل المزيد من الإسهامات في تحقيق عملية الفهم الموضوعية و العلمية لهذه التحولات خصوصاً على صعيد الأسرة لنستعيد صفاء الرؤيا ووضوح القصد و انسيابية الحياة , وربما نكون قد خسرنا معارك سياسية هنا أو هناك ولكن لا عيب في أن ننكسر العيب كل العيب أن نقبل الانكسار أو نغض الطرف عن الجوانب الرئيسية التي بها وعليها كان الانكسار و أيضا التي بها سينطلق التحقق و النجاح أنها الأسرة العربية تلك المؤسسة المنسية دائماً رغم محوريتها وفاعليتها رغم أنها الأساس و المركز و الأطراف لأي مشروع حضاري أن أردنا لنا مشروع حضاري فالأسرة العربية هي التي ضحت وتحملت عبأ النتائج وهي التي ستكون ذراع عزم المستقبل لأنتاجها أبناء المجتمع إذاً فهي أولى بكل مجهود وهي أحق بكل اهتمام وحينما نذكر الأسرة العربية فنحن نقصد مكونات هذه الأسرة جميعاً رجل و امرأة و أبناء وعلائقهم ما بين أعمام و أخوال وجدود أنها الحجر الأساس لهذا المجتمع فالأسرة الواعية تمارس وعيها اجتماعيا وتؤدي إلى مجتمع واعي والأسرة التي تمارس الديمقراطية فيما بينها تنتج وسط ديمقراطياً في المجتمع الذي بدوره يهيئ لظهور ديمقراطية حقيقية و الأسرة التي ترفض الظلم فيما بينها و في علائقها تقيم العدل في سلوكياتها أنها بصريح العبارة المؤسسة المسئولة مسئولية كاملة عن إنتاج ونضج الحياة سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا , و أن كل أبناء المجتمع ما هم إلا إفرازا طبيعيا لهذه المؤسسة الذين بدورهم يتربعون على مقاعد القيادة و المسئولية و الحديث عن الديمقراطية أو وعي جماعي أو إبداع مجتمعي أو عن تقدم ومعاصرة خارج عن أنكافئه عن الأسرة يظل حرثاً في ماء وتناولاً خارج عن المقصود , لذلك فإن الأسرة هي العين المتدفقة بالماء وهي المجرى له وهي أيضاً المصب النهائي , تصبح هي السلطة الحقيقية على الحاضر و أيضاً على المستقبل من هنا فأن أي من الأمراض و الانتكاسات التي تصيب الأسرة العربية تظهر أعراضها مباشرة على المجتمع العربي ككل و أن عوامل تقهقرها أو انحرافها عن المقاصد تؤدي إلى انحراف جارف بالمجتمع . عليه سيكون أي توصيف لتلك الأعراض أو تحديد لتلك الأمراض حافزا لتخطي تلك العقبات و التطور ومعالجة بشكل عقلي سليم وبوجدان وطني ناضج وفي تقديري أن كل تغيير حصل في الأحقاب الأخيرة كان تغييراً سطحياً يتخذ أشكالا لا تمس البنية الأساسية للمجتمع بل تعزز القديم البالي المتهالك , إذ يغطيها بأنماط مستحدثة تخفي علاقاتها الداخلية وتؤكد هيمنة قيمها المتخلفة السلطوية التي تشكل السلطة المادية و الروحية والنفسية لهذا القديم أنه الغلاف الشكلاني الذي يوهم بتطوره وتقدمه خطوات بينما يبقى غارقاً في تخلفه وحصر الدراسة في الجامعات الأمريكية أو الأوروبية أو نيل الشهادات الأكاديمية أو التعامل مع العصر بإنتاجاته التكنولوجية أو تغيير نمط العيش كنتيجة لطفرات أقتصادية أو أرتياد المرأة في التعليم المدرسي و الجامعي في إطار التحديث يفضح شكلانية التغيير وركاكة التحديث المزعوم ويبقى أن نأكد على أن التغيير الحقيقي يكمن ضمن ما يكمن في البنية الذهنية الجماعية , بنية التفكير و الأسس و المنطلقات التي تحرك وتطلق كل المواقف و السلوكيات داخل المجتمع إذ القاعدة الأساسية لا تكمن (مثلاً) في أن تكون هناك مطالبات بالديمقراطية بل تكمن في تواجد الوسط الديمقراطي المجتمعي الذي ينشأها ويحميها فالديمقراطية لا تتحقق إلا في وسط ديمقراطي و أيضاً مثلاً أن تحرير المرأة لا يكمن في إنشاء جمعيات تحرير المرأة من خلال العمل النسوي و المجتمعات النسوية بل يكمن في تكوين الرجل وتنشئته التي ترفض فكرة التكافؤ مع المرأة ولا تستطيع تقبل أطروحة المشاركة النسائية حتى و أن أقتنع بها ذهنيا لن تجدي كل المنظومات القانونية في الدساتير أو القوانين الوضعية في تغيير هذه البنى ولم يعد يجدي معها الخطاب الرسمي أو الأعلام السطحي لتغييره على صعيد الفعل فمن الصعب عليه أن يترجم تلك القناعة إلى حيز الممارسة و العمل من هنا كانت الضرورة الملحة للقيام بعملية نقد ذاتي على أوسع نطاق لا على ضوء المفهومات أو النصوص التراثية ( التي تمنح المرأة بعض الحقوق ) وحدها بل على ضوء الوقائع الوجودية (العينية) التي تميز تنشئة الذكر والأنثى في المجتمع وتجعل الذكر مثلاً كائن متفوقاً متميزاً على الأنثى منذ اللحظة التي يعي بها ذاته
محمد الأمين العباس
Meabasy2000@yahoo.com
الجمعة، 1 فبراير 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق