العري عابر والفن باقي
قام بعض من نواب الحزب الوطني المصري وهم أحمد أبو حجي وطلعت مطاوع وبهاء الدين أبو أحمد ومصطفى الجندي وسعد عبود بتقديم بيان إلى وزير الإعلام المصري أنس الفقي أعلنوا فيه احتجاجهم على ظهور بعض الفتايات شبه عاريات أو بملابس مثيرة أو تقديم اغاني الفيديو كليب الخلاعية التي تثير الغرائز الشهوانية وطالبوا الوزير بأن يجعل التلفزيون مثلا يحتذى به وينأى بنفسه عن الانغماس في مسار قنوات الإثارة الجنسية المكشوفة المنتشرة الآن وأشاروا في بياناتهم العاجلة إلى خطورة الموافقة لإحدى القنوات الرسمية على استضافة ضيوف في برامجها لا تلتزم بالقيم والتقاليد المجتمعية وتضع نفسها في هذا الحرج دون مراعاة لتقاليد المجتمع. وأيا ما كان هدف النواب سواء كان محاولة للتقرب من الجماهير او كان غزل للنواب الجدد المحسوبين للأخوان المسلمين ؛ فإن هذه البيانات أثارت حفيظة الكثيرين مثلما أثارت حفيظتي وجعلتني أندفع لأوضح أمرا يختلط على الكثيرين منا وهو الفرق بين الفن من حيث هو فن والجنس من حيث هو جنس أو الفرق بين فن " البرونو " فن الجنس أو أدب الجنس وما بين " الأيروس " أو فن الحب أو أدب الحب . والاختلاط بين الاثنين معا من جهة ومتطلبات الدعاية والترويج السلعية من جهة أخرى .
الحقيقة أن الحب والجنس لصيقا بالأدب منذ البواكير الأولى للأدب والفن والآثار التي وصلتنا تدلل على ذلك سواء كانت أثار تشكيلية أو شعر ونثر وفي الأدب العربي تمظهر الجنس والحب بشكل واضح في الإرث الشعري والسردي أذكر قصيدة عمر بن أبي ربيعة " أكرم بال نعم " التي صور فيها درجة اشتياقه للحبيبه التي دفعته لأن يذهب إلى مضاربها يمشي مثل الأفعى بين الخيام لتعرف على خيمة الحبيبة من رائحة عطرها فيفاجئها بهذه الزيارة التي تبتهج بها ويقضيا الليلة معا ما بين تقييل الشفاه والارتشاف من الرضاب وما بين فك الأزار ( الملابس ) والمداعبات وأخيرا قضاء حاجتهما معا وتلك الحيلة التي أنقذتهما معا من بطش قبيلة نعم حيث البسته لياس أختها التي عاونتها لستر فضاء حاجة محبين تتنكر لهما الأعراف . ونذكر أيضا قصيدة بشار بن برد التي توغل في التوصيف والسرد ما بين العزرى تارة والمكشوف الفاضح تارة أخرى ولا تخفى القصيدة شيئا من حسن المحبين ولا تلك المداعبات الشهية في تصوير لنداء للجسد صريح مجلجل هذه القصيدة التي كادت أن تؤدي بحياة بشار. ونذكر أيضا شعر أبو نواس " الماجن " وكيف أن شده اشتياقه لأبي الطوق غلام الامين دفعته لأن يتدحرج الى مرقده العالى من أسفل إلى فوق حتى يتلامسان ويلتحمان .. وهكذا أيضا في ألف ليلة وليلة ليالي بكاملها تفرغت لاستعراضات جنسية بحته مكشوفة سافرة وأدب الحب الواضح عند أديب الأندلس ابن حزم في طوق الحمامة وهو من أمتع كتب التراث العربي في أدب " الأيروس ".
ايضا الأدب العالمي سواء كان في قديمه أو حديثه لا يخلو من فن " البرونو " أو فن " الأيروس " في أعمال شكسبير مثلا لا تقل عن أعمال البيرتوموروفيا أو أعمال " فيكتور هيجو " أو " إيريس مردوخ " وماركيز مثلا في روايته " مائة عام من العزلة " أو الأدب الروسي مثلا أو الأدب الياباني( الفتيات النائمات) وما ينتطبق على الأدب ينطبق على الفن التشكيلي أو مسرحي أو سينمائي وأخيرا الاغنائي فيما يعرف بأغاني الفيديو كليب ؛ ويبدو أن هناك صعوبة في الفصل بين ما هو برونو أي" جنسي" وما بين الأيروس أي " الحب العفيف " فالظاهرة الجديدة في الفيديو كليب تستدعي الإبهار في الفرجه بجانب الإبهار في الكلمات واللحن والأداء أي إستدعاء لجملة الفنون بجانب الشعر واللحن والاداء هناك الرقص والتصوير والملابس والماكيير والتنكر والديكورات والإخراج وطلة الفنان فيما يعرف ( نيو لوك ) كلها في عمل واحد لا يتجاوز وقته أكثر من عشر دقائق مثلا . غير أن بالإمكان تلمس الفروق هذه من خلال تحليل الكلمات مثلا أو الحركة في الرقص أو الأداء وطريقة الغناء أو ضرورة التعري من عدمها لتأخذ أغاني الراب الحديثة المنتشرة الأن كمثال وأغاني البوب أيضا في الاولى الكلمات واضحة تحرص على الجنس بشكل فج على طريقة مجلات " بلاى بوى " أو الأفلام الجنسية أيضا أو المطرب في نبرات الصوت حيث التأوهات واضحة وفي الحركة هناك الامائيات الجنسية والإشارة للأماكن الحساسة في الجسد أو الأعضاء التناسلية وينتشر هذا اللون في موسيقى الزنوج الامريكان على وجه الخصوص وينتقل لنا بحكم التقليد الاعتباطي . لقد جرت محاكمات كثيرة لمثل هذا النوع وحاولت جمعيات أهلية تكونت خصيصا لمناهضة هذا النوع لكن دون جدوى استمرت وانتشرت على عكس ما كان متوقع وانتقلت لنا أيضا بشكل أو بآخر .والثانية وأغاني بوب مارلي كمثال التي تأخذ منحنى اجتماعي سياسي واضح .
لذلك لا يمكن اعتبار أغنية كامل الشناوي لا تكذبي مثلا عملا يحرض على الجنس خصوصا أنها تعلن فيما يشبه الخيانة التي رآها المحب بأم عينه اليد باليد والشفتين في التحام أو أن قصيدة الرباعيات للخيام خصوصا في مقطع اطفئ لظا القلب بشهد الرضاب نعتبرها فعل فاضح وتحريض مثلا . هناك فرق كبير يتسم بردة الفعل عند الملتقى وفي جملة الدلالات النهائية للعمل. اذكر عندما عرض الفيلم السينمائي الامريكي "العسكري الأزرق "كان هناك مشاهد تظهر فيها نساء هنديات عاريات تماما يختصبهن جنود أمريكان بعنف وقوة وقدم في دور العرض المصرية منذ أكثر من 36 عام وشاهدناه ونحن في ميعه الصبا ولم نشعر حينها بتهيج جنسي مثلا بل لم تستغرقنا تلك المشاهد او تجذبنا اليها بل أن العمل ككل كان كفيل باستقطاب كل العقول المشاهدة وجذبها في استغراق كامل مع ايقاعاته المتصاعدة ليصل لذروة رسالته وتبليغة .
هناك فرق بين ما يقدمه المخرجان جان شويري لكل من المطربة نجلا وهيفاء وهبي والمخرج شريف صبري في كل ما يقدمه للمطربة بوسي سمير أو اليسا أو روبي في بعض الأغاني وبين ما تقدمه مطربات من أمثال نجوى كرم أو نوال الزغبي أو غيرهم من اللائى يركزن على الرسالة والتلييق أكثر من الابهار "البرونو" ... قد يقول قائل أننا بحاجة ماسة لتكسير التابوهات المقيدة للحرية الجنسية وأننا نعاني من استبداد عرفي في هذا الخصوص ؛ أيضا قد يقول قائل يجب أن نحمي الأخلاق بغلق باب الحرية هذه ومنع عرض مثل تلك الأعمال لكن ذلك لا يدفع البعض منا إلى محاربة الفن في تجلياته وفي تطوره الفن والأدب بحاجة ماسة لمزيد من فك أسره وهذا لا يعنى الانفلات إلى دوائر التهتك والرذيلة بل ترك باب الحرية الإبداعية مفتوح والرهان على الاستمرارية سيكون حتما للجيد والإنساني البليغ .
محمد الامين العباسى
الجمعة، 1 فبراير 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق