الجمعة، 1 فبراير 2008

الأسرة العربية والحداثة

الأسرة العربية والحداثة

كان من جراء انتشار دور الدولة القطرية و فرض سطوتها و قوتها عبر القوانين و الأجهزة الإدارية والأمنية, أن انحصر دور القبيلة و العشيرة و العائلة ذلك الدور الذي مارسته بنشاطها إلى أكثر من ألفين عام و ربما أكثر من ذلك و اشتهر بفرض سطوته و ثقافته الأبوية مما جعل أكثر المفكرين و الكتاب على تسميته بالعصر (البطريركى ) أو عصر الذكورة الخالص, هذا العصر الذي تمظهرت فيه الحياة لصالح الذكر سواء على صعيد الإنفراد بالثروة أو الإنفراد بالسلطة مما ترتب عليهما انفراده بالتمايز و الاستعلاء و الاستقواء اجتماعيا في مقابلة الأنثى فكل من التراتبية القبلية سواء في إطار القبيلة الواحدة أو ما بين القبائل الأخرى في ما يسمى بالعرف الاجتماعي،ظل الذكر يحتل دور الصدارة و ينفرد وحده بتقرير مصير الأنثى في كل ما يخصها و لهذا كان أمر العائلة في جميع نشاطها مربوط برأس العائلة الحاكم المطلق و يلية في المرتبة رب الأسرة فيما يخص الأسرة الأصغر في التشكيل الاجتماعي و من جراء تواجد الدولة التي أصبحنا نتعامل معها في كل نشاطنا اليومي بدا من شهادة الميلاد حتى شهادة الوفاة أن أنحصر الدور القبلي و تحول لمجرد عنصر في لعبة التحالف الكلى مع الدولة أو مجرد أسم ينتمي إلية أبناء القبيلة الواحدة و لا يصادفه إلا في المناسبات سياسية كانت أو ظرفية كحالات الوفاة, لقد احتلت الدولة مكان القبيلة و العشيرة لحفظ الأمن و الأمان و فض المنازعات و توفير الجانب الاقتصادي لكل الأفراد و العائلات, وأصبح لا مبرر إلى الدور الاحترازي أو تلك العصبية التي كانت تستوجبها الظروف الاقتصادية أو الأمنية لاستقامة حياة أفراد القبيلة ومن هنا أصبح الولاء القطري المربوط بالحيز الجغرافي المتمثل في الدولة القطرية مكان الولاء القبلي المربوط بصلة الدم و القرابة, وهذا لا يعنى أنها علاقة أحترابية ما بين الدولة و القبيلة و لكنه تقاسم للأدوار و إحلال لسلطة قادمة مكان سلطة سادت فيما سبق و هذا ما جعل هناك فضاء من الحرية أكثر أتساعا للأسرة العربية خصوصا في تلك المجتمعات التي كانت تمارس فيه القبيلة الدور الرئيسي لتنظيم شئون مجتمعها و أصبح بامكان الأسرة الواحدة أن تعيش مستقلة دون الاحتياج أو الإتكاء على دور القبيلة أو الاستعانة بها امنيا و اقتصاديا و ربما في بعض الأحيان اجتماعيا و مع تنامي دور الدولة أنتشرة الوسائل التعليمية سواء كان على صعيد المؤسسة التعليمية التقليدية أو وسائل الأعلام من صحف و مجلات و إذاعات و مرئيات مما كثف الدور ( المخلص) من عبودية الفرد للعائلة و عبودية الأسرة للقبيلة أو العشيرة أو الرهط وهذة مساحة أخرى تضاف إلى المساحة السياسية الاقتصادية, و مع خروج المرآة للحياة العامة سواء في التعليم أو العمل و ظهورها الاجتماعي أضاف مزيد من الدور الذي يجب أن تقوم به و تلعبه في المجتمع و هذة أيضا مساحة واسعة أضيفت لحرية المراة والأسرة العربية تضاف هي الأخرى لكل من المساحات السابقة, و حتى الآن لا نرى حسب هذا التسلسل أي مشكلة تذكر فالمجتمع يسير متأثرا بتطور و تنامي دور الدولة و نشاطها و ما تفرضه ضروريات الحياة و اقتباساتنا في ما يسمى بالتماثل و التشابة مع دول الحداثة, و لكن بكشف اللثام عن العلائق الاجتماعية و أنماط القواعد العرفية التي ما تزال تشكل في معظمها منظومة المجتمع التي يحتكم بها و مرجعيته التي ينظم بها سلوك أفراده سنكتشف أن تلك المنظومة ما هي إلا تلك التي كانت و ما زالت تتحكم في نمط الحياة الرعوي أو في أحسن الحالات الريفي و معظم العلائق الاجتماعية و سلوك المجتمع ما زالت تنظمه القواعد العرفية القبائلية العشائرية نستثنى من ذلك ثلاث أو أربع مدن كبرى في الوطن العربي منها القاهرة و دمشق و بيروت – الدور الطائفي – و الدار البيضاء في المغرب لطبيعة الحياة الاقتصادية بها و لابتعادها عن النمط الانتاجى الرعوي أو الريفي أما ما عدا تلك المدن فهو غارق بعلائقه في النمط القديم بمنهج ازدواجي تلفيقي خطير يجمع ما بين أدوات الحداثة و فكر القبيلة و خصوصا في تلك الأقطار العربية التي لم تمر بالمرحلة الزراعية و انتقلت بشكل مباشر من الحياة البدوية إلى العيش في المدن, أن العلاقات البدوية القبلية و منظومتها ما تزال قائمة تنظم حياة الأسرة و الأفراد, هذا ما يفسر تأخر الانفتاح الاجتماعي الذي بات واضحا لكثير من مدن الوطن العربي و يفسر أيضا استمرار استعلاء و استقواء و تغول الرجل على المرآة حتى ألان ويرجع معظم المهتمين بقضايا المجتمع و الأسرة بقاء تلك العلائق البدوية و الريفية لعدم توفر النظرية الاجتماعية مع قدوم الدولة على الرغم من أن الدولة جائت و معها منظومة من القوانين الوضعية التي كانت معدة سلفا و اقتبست و صيغت بصياغة تتوائم مع تطلعات و انتماء كل نظام قطري و حسب درجة طموحه نحو التغيير الاجتماعي, و من المعروف أن القواعد القانونية تأتى دائما لتقنن ظاهرة أي أنها تأتى لتنظم واقع سبق وجوده النص القانوني و هو ما يسمى ( اطراد سلوك الناس ) هي بالتالي مجرد نص استقطب لتنظيم ظاهرة لم توجد بعد وواقع لم يحدث بعد أما النظرية و دورها في تفعيل المجتمع و تنشيطه تمثل دور المحراك الذهني و العقائدي, فهي تقدم النقد لما هو سائد و تعرى سلبياته و نواقصه و هي في نفس الوقت تقدم البديل الذي لابد من ان يتوافق مع الرؤية الكليانية للسلطة القطرية الجديدة, ان افتقاد الدولة القطرية لمثل تلك النظرية جعلها مجرد تنظيم يحل محل المحتل القاهر بدلا من ان ينتج فكرا يمثل الخلاص من القهر يستعير فكر و نموذج القاهر و هكذا أصبحت مجرد جهاز ضخم يعمل على تنظيم ما هو قائم دون التدخل فيه او محاولة تغيره و ترك عملية التغيير لعوامل الزمن و محركاته, لقد أصبحت الدولة جهاز يخاطب بقية دول العالم في منظومة العلاقات الدولية لهذا كانت مؤسساتها المعنية بنشر الثقافة والتعليم و الأعلام في جناب منها مجرد أدوات لتكريس ما هو سائد بغض الطرف عن سلبياته و نواقصه وبقيت الاسرة العربية عرضه لنهش قوانين وأنظمة الماضي علي الرغم من ضلوعها في العصر بأدواته وطورته في الحداثة دون وعي ودون ادارك كامل لقوانين الحداثة، لقد عمرت ألدوله القطريه كثيرا من الأراضي وبنت كثيرا من الجامعات والمعامل والمصانع والطرق والمباني حتي الحدائق العامة والمتنزهات ولكنها خربت لأنها لم تنتج زلك المواطن ذو الكفائة للتعامل مع هذا العصر وان كل ما أقامته الدولة من جسور لربطنا بالمدنية الحديثة هي جسور ماديه تنموية وأغفلت الجانب البشري الأحق بالتغيير أولا العنصر الفعال في عملية التحديث الإنسان، خصوصا في الجانب الفعال فية الجانب الأمر الناهي العقل ( عقل، يعقل، عقاله ) فالإنسان عقل ويد واليد مأموره من العقل فاليد الماهرة نتيجة للعقل الماهر والعقل الماهر هو ذلك العقل الذي يحتوي اكبر قدر ممكن من التركم المعرفي، العقل المنفك من اسر القيود الضلالية والظلاميه إلي حيث النور والاحاطه والمعرفة والمخزون العلمي، من هنا كانت الاسره العربية أسيرة النظم ألقديه بكل ما فيها دون غربله او فرز مع أننا نؤكد علي ان القديم ليس شرا دائما والجديد ليس خيرا دائما ولكن النظرية ودورها تلتمس ما بين ذلك وذاك سبيلا هي في محصلتها الرؤية الكلية التي تعمل علي تغير الذهنية الجماعية باتجاه التصحيح ودفع ألعجله التذايديه لحركة المجتمع إلي الأمام

محمد الامين العباسى

e-mail(meabasy2000@yahoo)

ليست هناك تعليقات: