>المثقف العربي
أي مثقـف نعنى ؟
لم يكن اختيار موضوع المثقف العربي اختيار اعتباطياً لأن هذا الموضوع يشكل هاجساً متواصلاً ويشكل حيزاً لا يستهان به في الواقع العربي ولكن أي مثقف نعني ؟ يتعلق الأمر بمسألة هويه ثقافية يحملها مثقف يحوز مخزوناً ورصيداً رمزياً داخل سياق من التبادل الاجتماعي، سواء كان هذا التبادل عادلاً ومتساوياً أو غير عادل ولا متكافئ وضمن هذا السياق ينتج فكراً يريده أن يشكل مادة للوعى ولتنشيط العقل من أجل توسيع مجالات الفهم والتنوير والتثقيف. لكن ما ينتجه المثقف من فكر لا ينفلت من التحديدات العامه التى تقررها الشروط الموضوعيه التي فيها يتم الانتاج الفكرى، فالمثقف كفاعل اجتماعى لا بد وأنه يتموضع في موقع ما من العلاقات الاجتماعية السائده في مجتمع من المجتمعات وبالتالي فإن فكره يغدو موضوع رهان داخل هذه العلاقة فإما أنه يكرس ما هو معطى وموجود ويدعم وجوده ويثبت استمراريته، واما انه يسهم في الحركية العامه التي تنشد التبديل والتغيير والمجاوزه.
أي مثقف نعنى ؟
نحن بصدد نوعين من المثقفين، الأول يتعامل مع الواقع حيث يتبناه ويدعمه وينظِّر له، ويمكن لنا تسميته بمثقف السُلطة، والثاني ينتقد الواقع ويكشف نواحى القصور أو الانحراف عن المقاصد في المجتمع ويمكن لنا تسميته بالمثقف العضوي الذي يمكن أن يظهر من خلال شريحه ما أو طبقة ما جديدة يقف إلى جانبها وتصقله تلك الطبقة من خلال تطورها، لكن لنذهب للتسائل الذي كان قد طرحه (أنطونيو جرامشي) وهو هل المثقفون طبقة اجتماعية مستقله أو أن لكل طبقة اجتماعية فئتها المثقفه الخاصه بها ؟ يقرر جرامشي أنها عملية معقده نظراً لأن هناك تنوع كبير للأشكال التي اتخذتها العملية التاريخية لتكوين وتطوير مختلف فئات وأشكال المثقفين، ويؤكد أيضاً أن كل جماعة اجتماعية تظهر إلى حيز الوجود في عالم الانتاج الاقتصادي- لاننسى ماركسيه جرامشي وان كان يصح التعميم إلى السياق الاجتماعى- حيث تؤدي وظيفتها الجوهرية وتخلق معها عضوياً شريحه أو أكثر من المثقفين، تمنحها التجانس والوعى بوظيفتها لا في الميدان الاقتصادي وحده بل في الميدانين الاجتماعي والسياسي، فالمنظم الرأسمالي الذي يهئ ويدرب الفنى الماهر في الصناعة وكذلك المتخصص في الاقتصاد السياسي فإنه أيضاً يكتشف ويصقل مؤسسوا الثقافه الجديده ومبدعوا النظام القانوني الجديد لأن المنظم الرأسمالي يمثل مستوى أعلى من حيث التطور الاجتماعي وهو يتميز بالفعل بمقدره قياديه وتكتيكيه (أي قدره فكرية ما) ولكن هناك شكل آخر من أشكال المثقفين تمثل في الواقع استمراريه تاريخية، لم تقطعها أو تلغيها حتى أعمق التغييرات في الأشكال السياسية والاجتماعية وأكثرها تعقيدا، ربما يكون رجال الدين هم النموذج الأمثل لهذه الفئات من المثقفين التى ظلت تحتكر لفترة طويلة ربما طوال مرحلة تاريخية كامله تميزت جزءياً بهذا الاحتكار من خلال عدداً من الخدمات الهامه سواء في العقيده الدينية أو الفلسفه والعلم إلى جانب التدريس والتعليم وتصدير منظومه الأخلاق والقضاء وأخيراً الأعمال الخيرية. وإن كان جرامشي يقرر على أن فئة رجال الدين ارتبطت عضوياً بارستقراطية ملاك الأرض أو رجال السلطة أو الأغنياء في المجتمع، وتمتعت هى الأخرى بنفس المركز القانوني المساوي، فهى تشاركها في ممارسه حقوق المليكة والانتفاع بالتجارة، وبمعنى آخر مشاركتهم في البنيه الفوقيه للمجتمع وهذا يفسر لنا بعض الصراعات التى كانت تجرى بين مثقفوا تلك الطبقه بعضهم البعض داخل المنظومة الايدولوجيه الواحده...لكن يشير تاريخ تلك الفئة من المثقفين التقليديين إلى ظهور حالات ونماذج من المثقف النوعي التقدمى (الاستباقي) ذلك من خلال معارك ومواجهات داخليه عنيفة وشرسة يكون فيها هذا المثقف الاستباقي قائداً ومنظراً لحركه الجماهير لأنه يعبر تعبيراً صريحاً عن طموح تلك الجماهير عندما تتماها رؤيته الفكرية مع مصالح المجتمع ككل ،لأن تلك الرؤيه تكون مشروعاً كليانياً للمجتمع وهذا هو المثقف الذي نعنى والذي نريد وقبل الدخول والحديث عن ذلك المثقف يجب أن نقرر أن كل الناس في شتى بقاع الأرض وعلى اختلاف كل الأمم مثقفون فكل انسان حي يحمل رؤية خاصة لذاته وللمحيط الاجتماعي والمحيط الطبيعي الذي يعيش فيه لكن ليس لكل انسان وظيفة المثقف في المجتمع- فليس كل من قلى بيضه طباخ ولا كل من رتق ثوباً ترزياً- فعندما نميز بين المثقفين وغير المثقفين فإننا ننصرف فقط إلى الوظيفة الاجتماعيه المباشرة أي تلك الفئة المهنية من المثقفين وعلى الرغم من أن التنوع الهائل والكبير في أشكال التخصصات فى العلوم والمعرفه أنتج كل منها شرائح مثقفيها الذين اقتطعوا جزءاً كبيراً من النفوذ الذي احتكره المثقفون التقليديون فلم يعد رجل الدين أو السياسي أو الأديب أو الفيلسوف أو الفنان أو الصحفى وحده ممن يدعون أنهم المثقفون الحقيقيون، بل يظهر هنالك أطباء ومحامون ومهندوس وزراعيون ورجال محاسبه واقتصاد ومعلمون فنيون ظهر هناك شرائح عديده وكثيره وهى جاءت كتطور طبيعى للنشاط التعليمى والنمو الهائل في حركة المجتمع وتحول المعرفه إلى سلاح سواء في العلاقات العامه داخل المجتمع أو في العلاقات الدولية، ولابد أن نشير إلى الحاجة الماسه للمجتمع لوجود مثل تلك التخصصات التي يمثلها الطبيب المثقف النوعي والمهندس المثقف النوعى والمحامى والمعلم والاقتصادي.....إلخ الذي نريد أن نؤكد عليه أن من بين كل المثقفين هناك أولائك الذين يخرجون بالتخصص المعرفي المهنى والفنى الذي ينتمون إليه من دائرة التخصص إلى الحقل الفكري العملي فلم يعد أسلوب المثقف الجديد المتخصص يعتمد على البلاغه التي تحرك المشاعر والعواطف أو تلفت الانتباه بل أصبح يعتمد على المشاركة الايجابية في الحياه العمليه كصانع وباني ومنظم لها ومهمته الدائمه ليس الاقناع وحده بل يكتشف ويبتكر حلولاً وأنماطاً جديده، لا أن يكون مجرد خطيب أو لا يكون مجرد متخصص، فمن التكنيك كعمل متخصص إلى التكنيك كعلم إلى المفهوم الانساني للتاريخ وتراكمه الذي بدونه يبقى الانسان متخصصاً بتجرد دون أن يصبح قائداً متفاعلاً، المراد متخصص له موقف له قضية معني من خلال انتمائه الى هذا المجتمع بالمشاركة في التطور في التقدم والتجاوز من خلال تخصصه.، إنها علاقه جزئيه وكليه في نفس الوقت، إنها نقله تجمع العمل الفكري الابداعى والعمل العضلي العصبي بالتراكم المعرفي التاريخى الانساني.
عندما كتب إبن خلدون (أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسه ومذاهبها) وعندما يقرر في مقدمته أن (السيف والقلم كلاهما آله لصاحب الدوله يستعين بهما على أمره) هكذا يفرق طيب الذكر ابن خلدون ويميز بين العلم والقلم في علاقتهما بالسياسه وهو ما يعادل التمييز الذي أردناه بين المثقف والتقنى بين المثقف كحاله متفرده ومتقدمه وبين الموظفين والبيروقراطيين والخبراء والمستشارين... فقط أولئك الذين يصنعون الجسور بين تخصصاتهم والمجتمع وقضاياه العامه تلك الجسور التي تسمح بالمرور عليها في الاتجاهين أو محاوله ما اسماه عبد اللطيف اللعبي (الهدايه المتبادله) هما المثقفون المتخصصون النوعيون هؤلاء الذين نلحظ الفروق بينهم وبين أصحاب القلم وفقهاء الحيل الشرعيه وغير الشرعيه ووعاظ السلاطين كما يصفهم علي الوردي ،ن وإن نظره عجلى في تاريخ الفكر العربي الاسلامي تستوقفنا بعض الحالات التي جابه فيها أصحاب المعرفه من العلماء وأصحاب القلم من جه و السلطان ووعاظه من جهه أخرى لكنها حالات أقرب إلى الاستثناء مع اقرارنا وتماشياً مع ابن خلدون بأن صاحب السلطه دائماً في حالة استقطاب لأصحاب القلم من المثقفين النوعيين لزود عن سلطانه والدفاع عنه وتسويقه فكرياً وثقافياً خصوصاً في المراحل الأولى مراحل التكوين والمراحل الأخيره مراحل الأفول والاضمحلال وهى المراحل التى يتضح فيها الفرز النهائي الجاد بين من هم مع الواقع يدافعون عن سلبياته وانحرافاته ومن هم ضد الواقع يكشفون انحرافاتة وقصورة ولأن الواقع ليس دلاله على الصحه دائماً وأخيراً فإن ما قد يكون بدى من الصرامه في التمييز بين مثقف نادر محكوم عليه باتخاذ موقف جاد وواضح بعيداً عن جاذبيه السلطه والطمع في مال المعز أو الخوف من سيفه وبين عموم أهل التخصصات والمعارف الذين يحملون هم المجتمع وقضاياه كان ذلك لرفع التباس سائد في استعمال مفهوم (المثقف العربي).
محمد الأمين العباسي
الجمعة، 1 فبراير 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق